ابن كثير

46

السيرة النبوية

فأقمنا على ذلك ، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك . فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك ، فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الامر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت : يا رسول الله ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : " لا ولكن لا يقربك " قالت : إنه والله ما به حركة إلى شئ ، والله ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال به أمية أن تخدمه ؟ فقلت : والله لا أستأذن فيها رسول الله ، وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب . * * * قال : فلبثت بعد ذلك عشر ليال ، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا . فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل ، قد ضاقت على نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته : يا كعب أبشر . فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء فرج ، وآذن رسول الله بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض رجل إلى فرسا ، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس . فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه ،